الثلاثاء 11 أغسطس 2026 - 2:23 PM بتوقيت عدن

عدن المحروسة من الله..!

كانت أمي تردد دائماً: "عدن محروسة بالأولياء"، تلك المقولة لا تفارق أمي عند أي حدث يصير، ولفضولي المأثور عني سألتها: "أيَش من أولياء يا أماه؟"، فكانت تعدد لي أسماء ومساجد من العيدروس وجوهر والشيخ أحمد وسفيان، وتحدثني بخوارق حدثت في معتقداتهم الموروثة، وصولاً إلى حرب الطليان، وكيف كانت الطائرات تحوم، وانتفاضة الشعب العدني بأطيافه ضد اليهود وطردهم من عدن، وحرائق هنا وهناك.. تاريخ متداول استشفيت منه:
العروبة والإسلام اللذان كانا عاملين أساسيين في طرد اليهود من عدن، ومع الأيام عرفت أنها النكبة ودير ياسين وانتفاضة الشعب ضد اليهود. ما أعظمك أيها الشعب وأنت تحت حكم بريطانيا سيدة سايكس بيكو وعمود الصهاينة آنذاك.
التجاوب مع نكبات الشعوب العربية والإسلامية والتعاضد معها بأي وسيلة.
وعندما كنت أقول لها: "ذول ماتوا وشبعوا موت"، تصرخ بوجهي: "ذول أولياء الله الصالحين".
حتى إنها كانت تأخذني للعيدروس في أوقات ما، وأدخل المسجد أمام ضريح مغطى بقماش أخضر.. تشتوا الصدق؟ المكان له هيبته، هدوء واحترام ودعاء، ثم يُربط بكتفي رباط أخضر، ما كنت فاهمة بس فضووول أشتي أفهم!
وظلينا والأولياء تحرس عدن، هي وكريتر والقطيع، حتى لما نزلت الأمطار والسيول التي اجتاحت القطيع وأثرت بكثير من المنازل، ورؤيتي لقوارب الصيد في الحواري سجلت ذاكرتي قمة التعاون والإخاء الذي كان يربط الناس. بيت جدي تأثر العمود الخشبي الحامل للسقف والمياه غمرت منزلنا، وكان الإخوة في القوارب خير عون لكل الناس، ينقذون إخوتهم بالماء والغذاء، ويسعفون من يحتاج للأسعاف، ويبادرون في إصلاح ما يمكن. ولأن بريطانيا الانجليز الذين طردناهم حريصون على مستعمرتهم، تم إصلاح كل شيء خلال يومين، اختفى الماء، انتهت الإصلاحات، وأجت الكهرباء التي كانت تضئ نهاراً وبالليل الفانوس كان حاصراً، عولجت مواسير المياه، ونُظّف الشارع وكأن لم تكن هناك أمطار.
كانت أعنف سيول داهمت مدينتنا، لكن دأبت الحكومة على إصلاح الخطأ، ففتحت مجاري أو ممرات صرف تحت الأرض لتصل إلى البحر، وفعلاً استفادت القطيع منها.
منذ تلك الأيام، في المَطَرة الثانية لم تتأثر مدينتي، والماء عرف طريقه إلى البحر.. فهمت:
شعب عايش على الاتحاد وروح المحبة، و"أخوك" و"جارتك" كانت مصطلحات نسمعها وتتردد في أذاننا ليل نهار، وتقاليد افتقدناها وأخلاق راحت كثير منها الآن (خذ حقك، اضرب اللي ضربك)، ووصلنا لحمل السلاح ضد بعضنا!
الحكومة عندما لا تترك فرصة للشعب ليستغيث، تبادر وتضع المخططات الصحيحة.
أين ذهبت ممرات تصريف المياه؟ ولماذا لم تستفد منها الحكومة وأغرقت القطيع بفشلها وسوء إدارتها؟ أتحدث عن بعد عام تسعين!
وكانت أمي في كل نهضة تقول: "شفتِ أولياء الله الصالحين؟"، وذهبتُ للمعلامة أتعلم القرآن الذي كانت الأسرة تهتم به كأول ركيزة يعلمنا الحروف ويصقل مع الأيام أخلاقياتنا.. منه عرفت:
أهمية القرآن في تعليم الطفل نطق الحروف بطريقة صحيحة.
الروح المطمئنة التي يبعثها القرآن.
حب المذاكرة ومع الأيام معرفة الحروف الهجائية وكتابتها.
الانخراط في المدارس وقد احتزمنا بما ينفعنا في دراستنا والتعامل مع مجتمع أكبر.
بصراحة حياة بسيطة وسلسة جداً، اختفت الأشياء الجميلة البسيطة.
كانت عدن إذا واجهت كارثة تقوم ولا تتكاسل أبداً، هذه الميزة جعلت منها محفوظة بأهلها وناسها بعد الله تعالى، فبقوة شعبها واستماتته في الدفاع عن أرضه وصمود الشعب انتصرنا على عبث الحوثي 2015، وثبت الشعب وانتصر.. في تاريخ عدن لا وجود لهزيمة مطلقة، ننتصر وننتصر بفضل الله ثم الشعب الذي عاش ويعيش فيها.
الله يرحمك يا أمي... التي كانت دوماً تقول: "الأولياء يغطوا على سماء عدن ويحموها"، والحامي الله، وبفضله تعالى نحن ثابتون على أرضنا ولن نتركها.. الجنوب سيعود والتاريخ هو الدليل.

مشاركة المقال