المقدمة
تُعد حرب أكتوبر 1973 محطة مفصلية في الصراع العربي–الإسرائيلي، ليس فقط من حيث استعادة الأرض، بل أيضًا من حيث تنوع ميادين المعركة وتكامل الجبهات العربية. ومن أبرز الجبهات التي لم تنل حقها من التوثيق التاريخي: جبهة البحر الأحمر ومضيق باب المندب، حيث كان الجنوب العربي (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية – عدن) شريكًا فعليًا في إغلاق الممر المائي أمام الملاحة الإسرائيلية، في تنسيق استراتيجي مع القوات المصرية.
وقد أثّر هذا الإغلاق على مسار الحرب سياسيًا واقتصاديًا، وأسهم في تشكيل مخرجات المفاوضات التي تلتها.
أولًا: الأهمية الجيوسياسية لمضيق باب المندب
يُعد باب المندب أحد أهم الممرات المائية في العالم، إذ يربط بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، وتمرّ منه ناقلات النفط القادمة من الخليج إلى أوروبا عبر قناة السويس.
وقبيل حرب أكتوبر، كانت إسرائيل تعتمد على هذا الممر لنقل ما يقارب 18 مليون طن من النفط سنويًا من إيران إلى ميناء إيلات، وهو ما جعل المضيق هدفًا رئيسيًا ضمن الخطة المصرية–العربية لإضعاف القدرات الاقتصادية الإسرائيلية.
إغلاق المضيق يعني خنق شريان الطاقة الإسرائيلي وحرمانه من الإمدادات النفطية، مما يمثل تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا لبقائه الاقتصادي والعسكري.¹
ثانيًا: تنفيذ عملية الإغلاق والتنسيق العربي
في فجر السادس من أكتوبر 1973، وبالتزامن مع العبور المصري لقناة السويس، بدأت القوات البحرية المصرية تنفيذ خطة لإغلاق باب المندب بالتعاون مع القوات البحرية للجنوب العربي.
وشمل ذلك:
تسيير زوارق مراقبة جنوبية ومصرية قرب جزيرة بريم وعدن.
فرض رقابة على السفن العابرة، ومنع مرور أي سفينة يُشتبه في نقلها إمدادات إلى إسرائيل.
نشر وحدات بحرية مصرية (غواصات روميو ومدمرات) لتأمين السيطرة على المضيق.²
استمر الإغلاق الفعلي من 6 أكتوبر حتى أوائل ديسمبر 1973، وتوقف خلاله تمامًا أي نشاط بحري إسرائيلي في البحر الأحمر.
ثالثًا: شهادة القبطان أحمد ناصر الزامكي
يمثل القبطان أحمد ناصر الزامكي شاهدا حيًا على الأحداث، إذ أدلى بشهادة مهمة تؤكد مشاركة الجنوب العربي في الاشتباكات التي وقعت أثناء تنفيذ الإغلاق.
وجاء في شهادته:
“كانت السفينة التي اشتبكنا معها لا ترفع أي علم، وقد وجهنا إليها عدة إنذارات عبر الإشارة البحرية، لكنها لم تستجب.
وبعد تجاهلها المتكرر، اضطررنا إلى الاشتباك معها خشية أن تكون محمّلة بأسلحة أو نفط متجه إلى إسرائيل. وبعد الحادث، تبيّن أنها سفينة فرنسية، مما أدى إلى فرض عقوبات على الجنوب العربي.”
هذه الواقعة تكشف جانبًا مسكوتا عنه في السجلات الرسمية، إذ تُظهر أن القوات الجنوبية لم تتردد في التصدي لأي تهديد محتمَل لدعم إسرائيل، حتى ولو كان الثمن مواجهة بحرية مع قوة غربية.
كما تُمثل شهادة القبطان الزامكي وثيقة شفوية ذات قيمة تاريخية تؤكد التزام الجنوب العربي بالموقف العربي المشترك في تلك المرحلة.
رابعًا:
"النتائج والتداعيات"
1ـ الخسائر الإسرائيلية:
توقّف كامل لإمدادات النفط من إيران إلى إسرائيل عبر البحر الأحمر.
تعطّل ميناء إيلات، ما أجبر إسرائيل على الاعتماد على طرق بديلة أطول وأكثر كلفة عبر رأس الرجاء الصالح.
نقص في الوقود والمواد الخام داخل إسرائيل خلال فترة الحرب.
2 ـ التأثير العسكري والسياسي:
أضعف الحصار قدرة إسرائيل على دعم قواتها في سيناء من ناحية الإمداد البحري.
كان لإغلاق باب المندب أثر سياسي كبير، إذ طُرح موضوع إعادة فتحه ضمن مفاوضات فك الحصار عن الجيش الثالث الميداني المصري، ما جعله ورقة ضغط تفاوضية لصالح القاهرة.
3 ـ التبعات الدبلوماسية:
بعد الاشتباك مع السفينة الفرنسية، فرضت فرنسا قيودًا سياسية مؤقتة على علاقتها بالجنوب العربي.
رغم ذلك، ظلّ الموقف العربي موحدًا خلف قرار الإغلاق، واعتُبر الحدث نصرًا بحريًا عربيًا صامتًا.
الخاتمة..
إن عملية إغلاق باب المندب عام 1973 لم تكن مجرد إجراء تكتيكي، بل تحرك استراتيجي عربي متكامل أعاد التوازن للمعركة عبر الضغط الاقتصادي على إسرائيل.
وقد لعب الجنوب العربي، رغم قلة إمكانياته، دورًا مؤثرًا في حماية الأمن القومي العربي، مثبتًا أن المعركة لم تكن على الأرض فقط، بل أيضًا في أعماق البحار.
وتبقى شهادة القبطان أحمد ناصر الزامكي شاهدًا تاريخيًا يوثّق هذا الفصل المغيّب من بطولات العرب في حرب أكتوبر المجيدة.
الهوامش والمراجع
1️⃣ CIA Declassified Report, Assessment of the Weapons & Tactics Used in the October 1973 Middle East War, 1974.
2️⃣ Sana’a Center for Strategic Studies, The Yemen Review (Jan–Feb 2023).
3️⃣ Khulasat.org, Announcement of Closure of Israeli Port of Eilat, 2021.
4️⃣ Masress Archive, Al-Ahram Weekly Report on Bab al-Mandeb Closure, 2010.
5️⃣ شهادة القبطان أحمد ناصر الزامكي، مقابلة شفوية غير منشورة، عدن – 2025.
الباحثة.. سها البغدادي