(الوعي في مواجهة القوة العسكرية، من يكسب المعركة؟)
في مقابلة حديثة على بودكاست The Brink، تحدّث رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي السابق يوسي كوهين عن تجربته داخل الجهاز، وعن يوم السابع من أكتوبر وما تلاه من عمليات ضد إيران ولبنان، محاولًا تفسير الخلل في الأداء الأمني الإسرائيلي. لكنّ الجزء الأهم في المقابلة لم يكن عن السلاح والميدان، بل عن الحرب الدعائية والإعلامية، تلك الحرب التي لا تُخاض بالرصاص، بل بالصورة والرواية. أشار المذيع إلى ما ذكره كوهين في كتابه حول معادلة رقمية لافتة: “54 مقطعًا مؤيدًا للرواية الفلسطينية مقابل مقطع واحد فقط مؤيد للرواية الإسرائيلية على تيك توك.” ثم سأله: “هل أصبحت عزلة إسرائيل الدولية اليوم تهديدًا أمنيًا لا يقل خطورة عن تهديد حماس؟ وكيف يمكن تفسير هذا الفارق الهائل بين التفوق العسكري من جهة والهزيمة في حرب السرديات من جهة أخرى؟” ليجيب كوهين بعبارة مقتضبة: “ما تصفه قاسٍ، لكنه حقيقي.”
تلك العبارة تختصر إدراكًا متأخرًا داخل الدوائر الإسرائيلية أن القوة الصلبة لم تعد تكفي دون رواية، وأن الوعي بات ساحة الحرب الحقيقية. ما يحدث اليوم على المنصات الرقمية، وعلى رأسها تيك توك، ليس مجرد تفاعل شبابي عابر، بل تحوّل من الجغرافيا إلى الذاكرة، ومن الميدان العسكري إلى ميدان الصورة والكلمة. حتى إسرائيل وجدت نفسها عاجزة عن ضبطه تمامًا.
وما قاله كوهين كان أشبه بإقرار ضمني بخللٍ يزداد وضوحًا في صورة إسرائيل أمام العالم. هناك رواية موازية تتشكّل وتكبر، ربما لم تتوقعها تل أبيب، لكنها بالتأكيد تُزعجها، لأنها لا تمر عبر قنواتها التقليدية ولا تنضبط بخطابها الموحّد.
في عالمٍ يحاول إسكات الجميع يصبح التفكير الحرّ عملًا إنسانيًا ثوريًا وآخر ما يملكه الإنسان ليدافع عن وجوده
رئيس الموساد السابق يتساءل: كيف لقاعة الأمم المتحدة أن تكون شبه فارغة خلال خطاب نتنياهو؟ أليست الأمم المتحدة قاعة مفتوحة للحوار بين الدول جميعها؟ إذاً، فإن مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام والكتب والمؤتمرات وغيرها أيضًا مسارح مفتوحة للجميع للحوار، لتبادل الآراء، للتعبير عن وجهات نظر مختلفة، أليس كذلك؟ أليس هذا في جوهره ما تعنيه الديمقراطية التي تخبرنا عنها إسرائيل؟ أن تتسع المساحة للاختلاف؟ أن يُسمح بوجهة نظر مغايرة؟ كما أن لديهم داخل إسرائيل معارضة ومظاهرات متواصلة منذ أكثر من عامين، عليهم أيضًا أن يتقبلوا أن في العالم من يرى ويُحلل بطريقة مختلفة، هناك من يحكم على سير الأحداث بطريقة مغايرة وأن النقد والاستنكار والرفض جزء من الحرية لا نقيضها.
لكن المشكلة أن إسرائيل تريد حرية التعبير حين تخصّها، وتقمعها حين تخصّ غيرها. تدّعي الدفاع عن نفسها، بينما يرى العالم وحشية الطريقة التي تبرّر بها كل شيء تفعله. وأولئك الذين تحاصرهم وتمنع عنهم الماء والهواء والمستقبل في منطقة الشرق الأوسط التي عكّرت صفو حياة أهلها، لهم أيضًا حقّ في أن تُسمع أصواتهم. أليس هذا هو جوهر الديمقراطية؟ أن يُسمع الصوتان، لا أن يُدفن أحدهما تحت الركام؟
ثم إن إسرائيل تتعامل مع منصات مثل تيك توك بجدّية غير مسبوقة. نتنياهو نفسه تحدث عن تيك توك أكثر من مرة، لأنها تدرك أنها ساحة مهمة ومؤثرة على وعي الأجيال الجديدة، ولهذا تسعى بكل الوسائل إلى التحكّم في تدفّق الروايات والمحتوى، إلى ضبط الصورة واللغة والذاكرة كما تضبط الحدود. وهنا يجب أن ينتبه الطرف الآخر، لأن إسرائيل لن تتساهل في خسارة هذه الجبهة، وستحاول أن تُخضع حتى الفضاء الرقمي لرقابتها وسردها. هذه ليست حرب صور عابرة، بل معركة على الوعي نفسه، على من يملك تعريف الحدث ومن يكتب التاريخ القادم.
لذلك، ربما يمكن فهم جزء من الحرب الأمريكية على المنصة في سياق أوسع، ليس فقط كصراع تكنولوجي بين واشنطن وبكين، بل كامتداد لحرب الرواية والمحتوى، حيث تمثل المنصة مساحة شبه وحيدة تمرّ عبرها الأصوات غير المصنفة، الروايات التي لا تمر عبر الفلاتر الغربية التقليدية. الوعي هو بداية الحرب ونهايتها. من يملك السردية يملك الذاكرة، ومن يملك الذاكرة يرسم المستقبل. قد تتبدل موازين القوة العسكرية، لكن الحروب الحقيقية تُخاض على الحقيقة في زمن يُدار بالصورة، بالكلمة، بالصوت. ولا شيء أخطر من الكلمة الحرة، ولا شيء أقدس منها.
الوعي هو ما يمكن أن ينقذ ما تبقّى. في عالمٍ يحاول إسكات الجميع.. يصبح التفكير الحرّ عملًا إنسانيًا ثوريًا، وآخر ما يملكه الإنسان ليدافع عن وجوده
لا يمكن أن ننكر: بالسياسة والعسكر، إسرائيل وحلفاؤها في الغرب هم الأقوى، ولا يمكن الاستهانة بهم أبدًا. يمتلكون القوة والتكنولوجيا والتحالفات، والمال، وتتحكم في العالم دوائر استخباراتية وسياسية واقتصادية تتنافس فيما بينها على الغنائم، على السيطرة، على الموارد، على النفوذ السيبراني، على كل ما يضمن بقاءها فوق الآخرين. كوهين ليس مجرد شخص، بل نموذج قوي مرعب لنخبة استخباراتية سياسية تدير هذا العالم، لكنها لا ترى الأفراد كبشر، بل كأرقام في معادلات كبرى. بالنسبة إليهم، كلامي عن الضمير والوعي ليس إلا فلسفة رومانسية لا طائل منها، حديث شعري لا يغيّر شيئًا من واقع القوة. لكن سؤالي البسيط لهم هو: ما الطائل من كل هذا؟ من هذا الرعب الدائم، والخوف المزمن، والحروب التي تسمّم الذات قبل أن تقتل الآخر؟ ما الجدوى من تحويل العالم إلى معسكر؟ ثم ماذا؟ وأي حياة يمكن الاستمرار بها بهذا الشكل؟ أي حياة له وللآخر؟ كيف يصبح العيش في الترقب هو الطبيعي؟ وكيف يكون السكن في قعر الجحيم هو المراد؟
العالم اليوم أكثر تعقيدًا مما يمكن لأي قوة أن تُصلحه بضربة واحدة. النظام الدولي ينهار أخلاقيًا ببطء، والفجوة أضحت بين الأطراف كما بين الأرض والسماء تتسع. كل كراهية ستنبت كراهية مضاعفة، وكل حرب ستخلف حربًا أكبر منها. ما حدث خلال العامين الأخيرين لم يكن مجرد اضطراب سياسي، بل حدث مرعب بكل المقاييس، كشف عمق الانحدار الإنساني، وكيف تحوّل الإنسان إلى أداة في صراعات القوى الكبرى. لكن يومًا ما، ربما كما حدث في الحربين العالميتين الأولى والثانية، حين كان العالم يغرق في القصف والرعب، ثم وجد طريقًا للوفاق، سيجد هذا الشرق الأوسط طريقًا ليهدأ. عليه أن يجد، رغمًا عن أنفه، لأن كل حرب إن امتدت ستبتلعنا جميعًا: العدو والصديق… بها إلى حيث الفناء. كما أن أوروبا التي كانت رمادًا تحت القنابل يومًا، عادت بعد عقود لتبني وتخترع وتعيش، كذلك على شعوب هذه المنطقة أن تجد يومًا طريقًا للخلاص. لأن الدائرة الحالية لا تنتج سوى مآسٍ لا تفنى، ونارٍ وقودها البشر والحجر لا تشبع.
الوعي هو ما يمكن أن ينقذ ما تبقّى. في عالمٍ يحاول إسكات الجميع.. يصبح التفكير الحرّ عملًا إنسانيًا ثوريًا، وآخر ما يملكه الإنسان ليدافع عن وجوده. يصبح الدفاع عن إنسانيّتك شكلًا من أشكال النجاة. الوعي، ولو بدا بسيطًا، هو بذرة تُخبّأ في أعماق الأرض خوفًا من الفناء. لكنها هناك، تنتظر زمنًا جديدًا لتنبت من جديد، لتذكّر الأجيال القادمة أن الإنسان لم يُخلق ليُساق، بل ليفكر، وليعيد البناء بعد الخراب.
عن/العرب