لم يكن العمل الخيري مجرد جانب عابر في حياة رائدة الأعمال أنيسة مثنى، بل كان جزءاً أصيلاً من تكوينها الإنساني، وتستحضر في ذاكرتها دروس جدها يوسف، والد أمها، الذي علّمها قيمة الزكاة والصدقة رغم بساطة حاله، فغرس فيها حب الخير والعطاء.
ففي العاشرة من عمرها غادرت أنيسة أمريكا إلى عدن، ورغم سنها الصغير حينها، لم تنسَ حتى اليوم فضل والد أمّها، جدّها يوسف صالح عبد الله من أهل علي عطّاف، الذي احتضنها خلال فترة مكوثها في بيته في عدن، ورأته كيف يتعامل مع الفقراء ويتصدق عليهم رغم أنه لم يكن ميسور الحال، لكن كانت نفسه غنية. وهناك عاشَت أجمل أيّام تكوينها الروحي، وشكَّلت الخمسة الأشهر التي قضتها مَدْرَسةً كاملة في الدين والأخلاق والقيم الاجتماعية فقد تعلّمت الالتزام الديني، ومعنى الحياء، والاحترام، والتكافل، والصدقة، وحبّ الخير وهي القيم التي ترافقها حتى اليوم.
تستعيد أنيسة مثنّى، في واحدة من أكثر ذكرياتها رسوخًا في الوجدان عن رحلتها تلك، مشاهد طفولتها الأولى حين كانت تلعب مع فتيات في مثل سنّها، يمتلكن العرائس والألعاب التي لم تكن تملك منها شيئًا. كانت طفلة بسيطة، تنظر بعين الحرمان أحيانًا، وبعين التساؤل البريء دائمًا، في بيتٍ جدها يوسف الذي يضم أسرة كبيرة قوامها سبعة أفراد يتحلقون على وجبة الغداء المكونة من الرز مع نصف دجاجة فقط، فيما كان العشاء غالبًا صنف من الخبز "الروتي".
في تلك الأيام، لفت انتباهها سلوك جدّها لأمها، يوسف صالح عبد الله، وهو موظف بسيط يعمل في عدن خلال ثمانينيات القرن الماضي. كانت تراه، يومًا بعد يوم، يتصدّق على امرأة صومالية فقيرة، تحمل طفلًا رضيعًا، وقد بدا عليها الفقر المدقع؛ ثديان ضامران لا يجد الطفل فيهما ما يسد رمقه، وملامح أنهكها الجوع والعوز.
لم تكن الصدقة عابرة، بل فعلًا يوميًا ثابتًا؛ شلن واحد كل يوم، في اليوم الأول، ثم الثاني، ثم الثالث.
وبدافع طفولتها، وبمنطق الحاجة، وجّهت أنيسة إلى جدّها سؤالًا بريئًا لكنه عميق الدلالة، قالت له:
«لماذا تتصدّق وأنت فقير؟ ونحن في البيت سبعة أفراد، لا نأكل إلا نصف دجاجة!".
استغرب الجد من سؤال حفيدته، لكنه لم يوبّخها، ولم يتجاهل تساؤلها. نظر إليها بحنان الحكيم، وقال كلمته التي حفرت أثرها في روحها إلى اليوم:
«يا ابنتي، هؤلاء أحوج منّا، وأنا لست فقيرًا ما دمت أملك ما أعطيه غيري.»
في تلك اللحظة لم تدرك أنيسة المعنى الكامل لما قيل لها. كانت تفكّر في اللعبة الضائعة، وفي الشلنات كانت تراها أقرب إلى أن تحقق فرحتها في امتلاك لعبة مثل زميلاتها، وفكرت أنه لو توقف جدها عن الصدقة خمسة أيام لاشترى لها أجمل لعبة بخمسة شلنات!.غير أن الزمن كفيل بإنضاج الفهم، ومع النضج جاء الوعي.
كبرت أنيسة، وكبرت معها تلك الذكرى، وتحول سؤال الطفلة إلى يقين المرأة. أدركت أن ما فعله جدها لم يكن مجرد إحسان عابر، بل درسًا عمليًا لها في الزكاة، والصدقة، والتكافل، والرحمة بالضعفاء. تعلمت أن الفقر الحقيقي ليس قلة المال، بل قسوة القلب، وأن العطاء لا يُقاس بما نملك، بل بما نستعد أن نمنحه للآخرين.
اليوم، وقد أصبحت أنيسة مثنّى رائدة أعمال ناجحة، لم تنسَ ذلك الشلن، ولا تلك المرأة، ولا الطفل الجائع، ولا حكمة الجد يوسف. بل جعلت من ذلك الدرس نهجًا دائمًا في حياتها، فحرصت على التصدّق، ودعم المحتاجين، والمساهمة في مشاريع الخير، إيمانًا منها بأن النجاح الحقيقي لا يكتمل إلا حين يمتد أثره إلى من هم في أمسّ الحاجة إليه.
هكذا، من مشهد طفولي بسيط، وصدقة يومية متواضعة، وعبارة صادقة من جدٍ حكيم، تشكّلت واحدة من أعمق القيم التي وجّهت مسيرة أنيسة الإنسانية والمهنية؛ قيمة العطاء دون انتظار مقابل، واليقين بأن ما نمنحه للآخرين هو في الحقيقة ما يبقى لنا.
وتقول أنيسه إنها في تلك الرحلة القصيرة تعلّمت ما يفوق ما اكتسبته في سنوات حياتها كلّها. ولهذا تؤكد دائمًا أن على المهاجرين، أينما كانوا، ألّا ينسوا موطنهم الأصلي، وأن يعودوا بأطفالهم الصغار إليه، لا ليُحمّلوهم عناء الحياة، بل ليتشرّبوا ما تشرّبته هي: أساسيات الدين، وأخلاق المجتمع، وروح التكافل… تلك القيم التي تعتبرها أعظم من كل نجاحاتها وجوائزها اللاحقة.
وبرضا نفس وقناعة انغمست في دعم المحتاجين، وتقديم الزكاة والصدقات، والمساهمة في كل وجه من وجوه الخير. ولم يكن هذا البذل بدافع الواجب فقط، بل كان استجابة لنداء داخلي وشعور عميق بالمسؤولية تجاه الآخرين.
ومن دوافع حبّها العميق للخير، تستحضر أنيسة مثنّى حادثة ظلّت تؤثّر فيها بعمق منذ الصغر، شكّلت لاحقًا أحد أهم منعطفات عطائها الإنساني. فقد روت لها والدتها ذات يوم أن جدّها لأمها، يوسف صالح عبد الله، كان كثيرًا ما يتحدّث عن مكان في وادي حطيب يُعرف باسم «مهذر الكلبة»، وهي تسمية موجعة في دلالتها، إذ تعود – كما كان يروي – إلى كلبةٍ نفقت في ذلك الموضع عطشًا، لشدّة انعدام الماء.
كان جدها يوسف يؤمن إيمانًا راسخًا بأن في باطن تلك الأرض ماءً قريبًا، لكن ضيق ذات اليد حال دون تحقيق حلمه في حفر بئرٍ يغيّر واقع المكان ويُنقذ العابرين وأهل الوادي من العطش. ظلّ هذا الحديث يتردّد في البيت، وتحول مع الزمن إلى صورة عالقة في ذاكرة أنيسة، صورة عطشٍ قديم، وحلمٍ مؤجَّل، ورغبةٍ لم تكتمل.
مرّت الأعوام، وكبرت أنيسة، حتى جاءت زيارتها إلى يافع عام 1998م. هناك، عادت القصة بكل تفاصيلها، لا بوصفها ذكرى، بل باعتبارها مسؤولية أخلاقية وإنسانية. وحتى قبل أن تبدأ ببناء بيتها الذي شيدته لاحقا في حطيب، قرّرت أن تحفر البئر أولاً لتكون صدقة جارية، وتحوّل ما عجز عنه جدها يوسف لقلّة الإمكانات إلى واقع ملموس. فتوجّهت إلى الموقع ذاته الذي أشار إليه، وتواصلت مع أحمد حسين الداعري الذي كلفته بالإشراف على العمل نيابة عنها، وتم استدعاء مهندس مختص من صنعاء، لتبدأ رحلة البحث عن الماء. ومنذ البدء فقد واجه المشروع سخرية واستهانة من بعض الناس، فكما روى لها أحد أقربائهفكما روى لها أحد أقربائها أنه كان مع عدد ممن كانوا في مجلس يمضغون القات فأخبرهم بمبادرة أنيسة، فلم يتقبلوا الخبر بجدية، وأخذوا يتندرون قائلينله:
«بنت أمريكا باتعمل لنا بئر؟! وبتخرج لنا ماء!»
كانت كلماتهم تحمل استصغارًا للدور الخيري، وتشكيكًا في قدرة امرأة قادمة من المهجر على إنجاز عملٍ اعتادوا أن يروه حكرًا على الرجال.
تأثّر قريبها بتلك السخرية، واستمر العمل، وشُقّت الأرض، ومع توالي الأيام بدأت بوادر الماء تظهر في قاع البئر، وعند ذلك أخذ كمية من تربة البئر المبللة بالماء وحملها إلى مجلس القات ذاته الذي صدرت منه السخرية، وقال بلهجة يملؤها الاعتزاز:
«هذه هي بنت أمريكا… وهذا هو الماء الذي خرج بدعمها.»
وهكذا، وبفضل إصرارها وإيمانها، فُتح البئر في نفس المكان الذي حدّده الجد قبل سنوات طويلة، وكأن الحلم المؤجَّل وجد أخيرًا من يُكمله. وقد جعلت أنيسة هذا العمل صدقة جارية لروح جدّها يوسف صالح عبد الله الذي زرع فيها حبّ الخير ولم يُمهله العمر لتحقيق حلمه، وإلى روح أولاده الذين قتلوا في حادثة مؤلمة وهم:يحيى يوسف وجميلة يوسف ونور يوسف. وكذلك إلى روح شقيقتها اسمهان التي توفيت بحادث سيارة في نفس العام الذي شرعت فيه بحفر البئر، وكذلك إلى روح جدّها لوالدها عبدالله مثنى، الذي حُفرت البئر في أرضه بعد موافقة ومباركة والدها الحاج محمد عبدالله مثنّى، حفظه الله.
ولأنيسة بصمات عديدة في الأعمال الخيرية في العديد من البلدان ومنها بلادنا، وهي عضو في مجلس إدارة "ميد جلوبال"، التي لها مشاركات خيرية فيها، وجاء عنها في صفحة المنظمة ما يلي:
"أنيسة مثنى قائدة عملية تتمتع بخبرة واسعة في جميع جوانب بيئة التصنيع الآلي تقريبًا. بعد ثلاثة عقود كرئيسة تنفيذية ومالكة لشركة بايونير سيرفيس، تُعزي أنيسة نجاحها إلى بناء فريق يتبنى التحسين المستمر والتنوع والتكنولوجيا المتطورة. تُبهر أنيسة، المتحدثة الرئيسية وعضوة مجالس إدارة عديدة وكاتبة في مجلة "مودرن ماشين شوب"، جمهورها بمزيج من المعرفة المكتسبة بجهد، والتواضع، ولمسة من الفكاهة. ورغم أنها تتحدث غالبًا عن التنوع والإنصاف والشمول، إلا أن أنيسة تتخلى عن الصور النمطية القديمة عن "جيل طفرة المواليد مقابل جيل الألفية" و"الرجال مقابل النساء". وبدلاً من ذلك، تُركز على رسالتها المتمثلة في إيجاد أرضية مشتركة من خلال الاحترام المتبادل".
خاتمة
لقد أثبتت أنيسة محمد عبد الله مثنّى بن علي عطّاف القعيطي أن الإرادة أقوى من التقاليد، وأن الفتاة التي نشأت بين المطارق والحديد يمكنها أن تُصبح رمزًا من رموز الصناعة الأمريكية. نجاحها لم يكن مجرّد حكاية عن تجارتها… بل عن عقلٍ صنعته التجارب، وروحٍ صقلتها القيم التي حملتها من يافع، وإصرارٍ تجاوز توقعات الجميع.
ورغم وجودها في بيئة صعبة، بقيت ثابتة على:حجابها وقيمها ودينها ومبادئها، ولم تعبأ بنظرات السخرية، ولم تُبرر لأحد سبب التزامها.وردّها الوحيد كان: إنجازٌ يتحدث عنها.
أنيسة اليوم… ملهمة الأجيال للقادمين الجدد وللمرأة وللمهاجرين جميعًا، فهي ليست مجرد رائدة أعمال؛ إنها قصة مُلهِمة تُدرّس في:مدارس الهجرة، ومسارات التمكين الاقتصادي، وتجارب المرأة العاملة، ونماذج النجاح العصامي.
وأثبتت أن النجاح يُكتسب ولا يُمنح، وأن القيم لا تتعارض مع الطموح، وأن الحجاب لا يمنع من قيادة أكبر المصانع، وأن المرأة قادرة على اختراق أصعب المجالات، وأن العمل العائلي يمكن أن يصبح إمبراطورية صناعية.
وترى أنيسة أن أعظم توفيق في حياتها كان بسبب برّها بوالديها، واحترامها لهما، والأخذ بوصاياهما، وتمسّكها بدروس جدها في حب الخير، وإيمانها بأن "رضا الله في رضا الوالدين". وتؤكد دائمًا:
«إن النجاح الحقيقي هو رضا الله، ورضا الله يتحقق عندما تكرم والديك.»
وتضيف:
«أسأل الله أن يكرم والديّ بالراحة والسلام في الأيام القادمة».
"أنيسة مثنى" سيرة رائدة بدأت من الصفر وبلغت القمة (الأخيرة) أنيسة مثنى ..درس الصَّدَقَة وحُبِّ الخير
2025/12/17
شقائق / امريكا
الملخص الذكي
جاري إنشاء الملخص الذكي...