الأحد 22 مارس 2026 - 9:09 AM بتوقيت عدن

أمريكية من أصول يافعية جنوبية عربية مسلمة.. "أنيسة مثنى" سيرة رائدة بدأت من الصفر وبلغت القمة(2)

2025/12/15
أمريكية من أصول يافعية جنوبية عربية مسلمة.. "أنيسة مثنى" سيرة رائدة بدأت من الصفر وبلغت القمة(2)

شقائق /أمريكا/د. علي الخلاقي


"والدتها قدوتها وملهمتها"

إلى جانب الدور المحوري لوالدها الحاج محمد عبدالله مثنى في حياة ونجاح ابنته أنيسة، فأن والدتها سعود بنت يوسف صالح بن علي عطّاف، هي بالنسبة لها النموذج والقدوة في الشراكة والتضحية، وهي بالنسبة لها الأم والصديقة والملهمة. وصلت الأم إلى أمريكا عام 1969 مع ولديها وانضمت إلى زوجها في نفس السنة التي حملت فيها بأنيسة.
ورغم أنها جاءت من ريف يافع، وادي حطيب- القعيطي، ولم تنل أي قسط من التعليم ولو بشكله البدائي في الكُتَّاب "المعلامة" الذي كان حكراً على الأولاد دون البنات، لكن ذلك لم يمنعها من التأقلم شيئاً فشيئاً مع اللغة الأمريكية، ثم بدأت بمساعدة الأب لمواجهة متطلبات الإنفاق المتزايد على الأسرة، لاسيما بعد شراء البيت، فعملت إلى جانبه في محل خاص به للأقمشة والأكسسوارات، ومع مرور الوقت أصبحت الأم أكثر نضجاً وحنكة في التعامل مع زبائن المحل، وتحولت من امرأة ريفية بسيطة، لم تنل حظاً من التعليم، إلى امرأة قادرة على استخدام اللغة الإنجليزية مع الزبائن، وتجيد البيع والشراء، وتعرف كيف تعرض البضاعة وتسوّقها، مع حفاظها على العادات والتقاليد التي حملتها من يافع وعدن، ولم تتخلى عن تدينها ومواظبتها على واجباتها الدينية وارتداء الملابس المحتشمة.
وهكذا أصبح الأم شريكةً عملية لزوجها في العمل؛ وبعد أن كانت تتنقل بالباص من البيت إلى العمل، علّمها زوجها قيادة السيارة، وبجهودهما المشتركة بنيا حياة أساسها التضحية والصبر، وساهمت في الأعمال اليدوية اليومية ، فتحوّل العمل العائلي تدريجيًا إلى مشروعٍ أكبر، فبعد أن توفر المال، حقق زوجها حلمه القديم بفتح مصنع للحديد والصلب باسم شركة M&M Quality Grinding في عام 1981.
كانت أنيسة ما تزال طفلة أكملت للتو ربيعها الحادي عشر، عندما بدأت العمل مع والدتها وأخويها إلى جانب والدها، تتعلم معنى العمل الجاد والطموح، ومنذ ذلك الحين ارتبطت الأسرة بهذه المهنة، وعشقت الحديد؛ وكأن محبة الأب لهذه الصنعة انتقلت إلى جميع أفراد الأسرة بالوراثة والتجربة معًا.
كان والداها يعملان بجد واجتهاد في الشركة، وعند عودتهما الى المنزل تشاهد عليهما آثار التعب وأيديهم تنزف من جراح العمل بسبب الجهد الذي يبذلانه على المكائن الخاصة بالحديد. ولهذا وجدت نفسها، في تلك السن المبكرة تعمل في المصنع مع أخويها بين الحديد والمطارق، لمساعدة الوالدين، ولم تعرف الطفولة التقليدية التي يقضيها الأطفال بين اللعب والدمى، ولم تواصل تعليمها الذي انقطعت عنه برغبة والدها. وكانت مهمتها تقتصر على تنظيف ومسح الطاولات والمكائن المتسخة، وشيئاً فشيئاً أخذت تساعد، وتتعلم العمل على الآلات، حتى سمح لها والدها بالعمل على إحدى المكائن، ورغم أن عملها متعب لكنها أثبتت لوالدها قدرتها وأنها محل ثقته، وهكذا تحملت مسؤولياتٍ تفوق عمرها بكثير، وتعلمت أيضاً قيمة الدولار والاقتصاد الأسري، وكيف أن التضحية الصغيرة اليوم قد تُثمر نجاحًا غدًا. ولذلك لم تشعر بالحرمان أو الندم، بل بالفخر لأنها كانت جزءًا من تكاتف عائلي هدفه رفعة العائلة وإرساء أساس متين للأجيال المقبلة.
هكذا نشأت وترعرعت في بيت علمها أبواها أن العمل هو احترامٌ للذات، وأن قبول المرء للبساطة والتواضع في الاستهلاك ليس ضعفًا بل حكمة. ولم تبذر العائلة الأموال على الكماليات، ولم تكن الوجبات في الخارج أو السفرات أو شراء الماركات هدفًا لها، بل كان الاستثمار في العمل والمصنع هو الأولوية، وحتى الثياب الغالية لم تكن متاحة دائمًا ، فقد ارتدت أنيسة أحيانًا ملابس إخوتها، وكان كل وقتهم جميعاً في العمل، واتجاه سيرهم المعتاد من العمل الى البيت.
ورغم تفوّقها الواضح في العمل داخل مصنع والدها منذ صغرها، كانت أنيسة تدرك أن التقاليد لا تزال تنظر إلى البنت على أنها «تابع»، وأن صوتها لا ينبغي أن يعلو صوت الرجال. ومع محبة والدها وثقته بها، بقيت تشعر بأن بعض العمال ممن يقصرون في واجباتهم عند غياب والدها أحياناً، لا يعترفون بسلطتها الإدارية، وأن نظرتهم التقليدية للأنثى تحرمها من ممارسة دورها بالكامل، وكان بعضهم يقول لها بلهجة متعالية:
«أنتِ بنت… روحي اشتغلي هناك لحالك»
لكنها لم تُكسر، ولم ترفع صوتها ولم تضعفها هذه العبارات، بل عملت بصمت ورفعت مستواها، وصنعت منها امرأة تعرف أن عليها شقّ طريقها بيدها، وفرضت احترامها بإنجازها، وليس بصوتها، وأتثبت بكفاءتها أن المرأة ليست تابعًا منتجة، ومؤهلة لقيادة أصعب القطاعات الصناعية.
تزوجت أنيسة وهي في السادسة عشرة من عمرها من ابن عمها الذي لم يمانع استمرارها في العمل ضمن حدود العائلة، إذ كانت قد اعتادت مسؤوليات الورشة منذ أن أكلمت الحادية عشرة، بسبب حاجة والدها لليد العاملة. ولم تُكمل تعليمها الثانوي، واختارت مغادرة صفوف المدرسة لتساند والديها، مقدِّمةً تضحيـةً كبيرة برضى واقتناع. 
لم يستمر زواجها طويلًا، إذ طُلقت وهي في الثالثة والعشرين، لكنها خرجت من التجربة أقوى، وأكثر استعدادًا لبناء مستقبلها بيديها.ومثل هذا الحدث كان نقطة تحول كبرى في حياتها؛حيث خرجت أيضاً من عباءة ورشة والدها إلى عالمٍ مستقل وبداية مرحلة جديدة تعتمد فيها على نفسها بقرارها وإرادتها وخبرتها التي لا ينازعها فيها أحد.


يتبع...

مشاركة الخبر