منذ اللحظات الأولى في حياة الطفل، تصبح الأم أكثر من مصدر للرعاية الجسدية؛ إذ تتحول إلى مركز الأمان العاطفي الذي تُقاس من خلاله مشاعره تجاه العالم.
ولهذا، لا يبدو غريبا أن يعلّق الأطفال مشاعرهم على الأم بشكل واضح، فيفرحون لفرحها، ويتأثرون بتوترها، ويبحثون عنها عند الخوف أو الحزن.
هذه العلاقة العميقة ليست دلالا زائدا ولا ضعفا نفسيا، بل نتيجة طبيعية لروابط عاطفية تشكّلت مبكرا ولا تزال تؤثر في نمو الطفل وسلوكه.
الأم أول مرجعية عاطفية
في علم النفس التنموي، تُعدّ الأم أول شخص يستجيب لاحتياجات الطفل، ليس فقط بالطعام والحماية، بل بالاحتواء والنبرة واللمسة.
هذه الاستجابات المتكررة تجعل الطفل يربط بين وجود الأم والشعور بالأمان. ومع الوقت، تصبح الأم المرجعية التي يعود إليها الطفل لتنظيم مشاعره وفهم ما يشعر به، خاصة في السنوات الأولى.
الارتباط العاطفي علاقة تتجاوز الوعي
يرتبط الطفل بأمه من خلال ما يُعرف بالارتباط العاطفي الآمن، وهو الرابط الذي يمنحه شعورا بالثبات في عالم غير متوقع.
حين يشعر الطفل بالحزن أو الخوف، لا يمتلك الأدوات الداخلية الكافية لتهدئة نفسه، فيلجأ إلى الأم باعتبارها “المنظّم العاطفي” الذي يعيد له التوازن.
هذا الاعتماد ليس ضعفا، بل مرحلة ضرورية في تطور الجهاز العصبي والنفسي.
لماذا تتكثف المشاعر تجاه الأم أكثر من غيرها؟
غالبا ما تكون الأم هي الحاضرة في تفاصيل الحياة اليومية: النوم، الطعام، المرض، المدرسة، واللعب.
هذا الحضور المستمر يجعل المشاعر تتراكم وتُسقط عليها تلقائيا. الطفل لا يميّز بين شعوره الداخلي ومصدره الخارجي، فيعبّر عن غضبه أو قلقه تجاه الأم لأنها الأقرب والأكثر أمانا للتفريغ.
الأم كمساحة آمنة للتعبير
من المفارقات التي تلاحظها الأمهات أن الطفل قد يكون هادئا خارج المنزل، لكنه ينفجر بالبكاء أو الغضب فور عودته.
هذا السلوك يعكس حقيقة أن الطفل يشعر بالأمان الكافي مع الأم ليُظهر ضعفه ومشاعره المكبوتة. الأم هنا لا تكون سبب الانفعال، بل المساحة التي يسمح فيها الطفل لنفسه بأن يكون على طبيعته.
تأثير الحالة النفسية للأم على الطفل
الأطفال شديدو الحساسية لمشاعر الأم، حتى وإن لم تُعبَّر بالكلمات. التوتر، القلق، أو الحزن غير المعلن قد ينعكس على سلوك الطفل في صورة تشتت، بكاء، أو تعلق زائد.
لهذا، لا يمكن فصل الرابط العاطفي عن الطاقة النفسية المتبادلة بين الطرفين، فالأم تشكل جزءا من البيئة الداخلية للطفل.
هل هذا التعلّق صحي دائما؟
في جوهره، التعلّق بالأم ظاهرة صحية وطبيعية، لكنه يحتاج إلى توازن مع التقدم في العمر. مع النمو، يتعلم الطفل تدريجيا الاعتماد على ذاته وتنظيم مشاعره بشكل مستقل، شرط أن يشعر أن هذا الاستقلال لا يهدد العلاقة ولا يقلل من الأمان العاطفي. الدعم المتزن هو ما يسمح لهذا الانتقال أن يحدث بسلاسة.
كيف تتعامل الأم مع هذا الارتباط بوعي؟
تقبّل مشاعر الطفل دون شخصنتها أو الشعور بالذنب.
تسمية المشاعر ومساعدة الطفل على فهمها بدل كبتها.
الحفاظ على هدوئها قدر الإمكان؛ لأن تنظيمها الذاتي ينعكس مباشرة على الطفل.
تشجيع الاستقلال التدريجي مع طمأنة الطفل بأن العلاقة ثابتة وآمنة.
تعليق الأطفال مشاعرهم على الأم ليس عبئا ولا خطأ تربويا، بل نتيجة طبيعية لرابطة عاطفية تشكّلت منذ البدايات الأولى للحياة. فهم هذه العلاقة بوعي يساعد الأم على احتواء طفلها دون استنزاف، وعلى تحويل التعلّق إلى أساس صحي للنمو العاطفي والاستقلال التدريجي